الأربعاء، 31 ديسمبر، 2008

طرائف تعليمية

(انقر علي صورة المقال رقم 468 للتكبير والقراءة)
من واقع خدمتي في الميدان ، واستكمالا للمقال المنشور بجريدة "القاهرة" الصادرة عن وزارة الثقافة ، تحت عنوان "كي جي تو..صعبة خالص" بتاريخ 13 ديسمبر 2005 ..
* خلال تحركاتي اليومية من وإلي المنزل كنت ألاحظ اهتمام إحدى المدارس الزائد بتوعية المواطنين للمحافظة علي نظافة البيئة ، فقامت بكتابة عدد كبير من عبارات التوعية بامتداد السور ، وموزعة علي بواكي السور.. منها : مدرستي جميلة ..نظيفة ..متطورة ، المدرسة بيتك الثاني فحافظ علي نظافتها ، النظافة من الإيمان، الصحة تاج علي رؤوس الأصحاء ، الإسكندرية موجة حب علي أرض مصر ، الإسكندرية عروس البحر المتوسط فحافظ علي نظافتها ، من فضلك لا تلقي القمامة أمام أسوار المدرسة ، النظافة هي مقياس الأمم المتقدمة ، كن كالأشجار مرتفعا .. تلقي بالأحجار فتقذف الثمرا ...إلخ، وللأسف الشديد كانت درجة الاستجابة= صفر.. بدليل ظهور كوم كبير من القمامة أسفل كل عبارة.
* أحد مديرى المدارس الإعدادية بإحدى القرى بوسط الدلتا ، لجأ إلي مياه الترعة الممتدة بجوار المدرسة ، للتغلب علي مشكلة عدم وصول المياه النقية إلي المدرسة ، بسبب وقوع المدرسة في نهاية خط المياه ، فقام بتركيب موتور لرفع مياه الترعة الملوثة بكافة أنواع التلوث ، وخاصة البلهارسيا والفشيولا والفيلاريا ـ إلي الخزان العلوى ومنه إلي المواسير ، بحيث تتدفق عبر الصنابير إلي أفواه وأمعاء التلاميذ المتعطشين ، والأعجب من ذلك هو ادعاؤه بأن المسئولين في الإدارة التعليمية وافقوا علي ذلك!
* بعض المدارس الابتدائية بالأرياف تشغل مباني مؤجرة ، مبنية بالطين أو الطوب اللبن أى الطوب النئ(مترادفات)..
وربما تكون الأسقف من الجريد أو البوص ، والأرضيات من التراب ، مما يجعلها وكرا للزواحف والحشرات ، وخاصة البراغيث ، وبالاستفسار من ناظرة إحدى هذه المدارس في بلدة "بمم" التابعة لمركز تلا بمحافظة المنوفية عما يفعلونه مع البراغيث ، أفادت بأنهم يفتحون الأبواب في الصباح أمام التلاميذ أولا لكي يدخلوا قبل الأساتذة، فتكون " القطفة الأولي" من نصيبهم ، وتظل تسكن ملابسهم طوال اليوم حتي يعودوا بها في نهاية اليوم إلي منازلهم التي جاءت منها ... وهكذا.
* بمجرد أن أعلن المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوى عن توجيه المأمورية التالية إلي إحدى محافظات الوجه القبلي ، سارع الزملاء إلي شباك التذاكر للحجز في أحد القطارات ، فما كان من موظف الشباك إلا أن حجز للجميع في عربة واحدة.. وعند السفر كان منظر العربة مثيرا للدهشة ـ نظرا لتجمع هذا الكم من كبار السن في مكان واحد ـ وكلما دخل العربة أحد المواطنين أعرب عن دهشته بطريقته الخاصة ، فمن قائل: " يظهر إنهم رايحين التجنيد !" ومن قائل:" لأ..دول يظهر رايحين العراق!"(حيث كانت العراق علي شفا الحرب) إلا أن أحدهم أضاف: " لأ.. دول يظهر رايحين يموتوا !..."
* رغم التوسع الكبير في بناء المدارس ، واختفاء نظام الفترتين في معظم أنحاء البلاد ، إلا أن إحدى محافظات الوجه البحرى ما تزال جميع المدارس فيها تعمل ـ في جميع المراحل في جميع المدن والقرى ـ علي فترتين: صباحية ومسائية..ولكن الأمر الأكثر غرابة يتمثل في قيام هذه المدارس بتبادل الفترات بصفة شهرية ، وليس كل فصل دراسي كما هو المفترض (أى مرتين فقط في السنة).. ولك أن تتصور ما يمثله هذا النظام من قلق وعذاب وعدم استقرار للتلاميذ والمعلمين وأولياء الأمور علي حد سواء ، والأعجب من ذلك هو أن النظام المشار إليه مستمر ـ كما علمت ـ منذ أكثر من عشرين عاما في المحافظة المذكورة ، دون أن يلفت نظر أحد المسئولين ، سواء علي المستوى المحلي أو المركزى ، لكي يأمر بإعادة الأمور إلي نصابها!
* قضيت فترة الإعارة بالجماهيرية الليبية معلما في أكبر معهد للمعلمين ، واسمه " معهد إسماعيل الجيطالي للمعلمين " بمدينة جادو الجبلية التي ترتفع عن سطح البجر بحوالي 800 م ، وكان يضم عدة أنظمة تعليمية ، للطلبة الحاصلين علي شهادات الابتدائية أوالإعدادية أوالثانوية العامة ، والوافدين من مختلف أنحاء البلاد ، حيث يوجد مبيت لهم..وكانوا يتأخرون في الحضور للمعهد أطول وقت ممكن ، ولا ينتظمون سوى شهرين أو ثلاثة طوال العام الدراسي ، ويقضون معظم الوقت وهم متدثرين بالغطاء الصوف المعروف باسم " الجرد " بسبب البرد الشديد.. وعندما يحين وقت الامتحانات دون الاستعداد الكافي يصبح كل اعتمادهم علي الغش ، وكلما دخل عليهم في اللجنة أحد الملاحظين من الأساتذة توسلوا إليه قائلين: " ساعدنا ياشيخ! .. ساعدنا ياشيخ! ".(انظر لقطة خاصة مع بعض الطلاب الليبيين بملابسهم الوطنية)
* في إحدى مأموريات المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوى إلي الوجه القبلي ، أعدّت لنا إدارة البدارى التعليمية أحد الأبنية التابعة لها ـ ويقع في الطريق الرئيسي للمدينة أمام ديوان الإدارة مباشرة ، وهو الطريق الزراعي الغربي المتجه إلي أسوان..وفي الصباح الباكر لأحد أيام المأمورية ، اكتشف أحد الزملاء نفاد رصيده من السجاير ، فأراد شراء علبة جديدة ، ولما كان العامل النوباتجي اعتاد إغلاق البوابة علينا والمبيت مع أسرته ، فقد وقف الزميل داخل البوابة في انتظار مرور عابر طريق لأداء هذه الخدمة ، وبالفعل مر أحد الشباب من أمام البوابة ، فناداه الزميل طالبا منه التكرم بعمل اللازم وأعطاه مبلغ 5ر2 جنيها قيمة علية سجاير مارلبورو ، وهو يثق تماما ثقة عمياء ، ودون أن يساوره أدني شك ، في أخلاق الصعايدة ، وخاصة في هذه الجهات التي يطلق عليها "الصعيد الجواني" ، وظل الزميل في مكانه منتظرا عودة الشاب الهُمام بعلبة السجاير المطلوبة ، إلا أن الشاب المذكور "عمل بأصله" ولم يعد ، وعندما بدأ اليأس يدب في نفس الزميل ، وفقد الأمل في عودة الشاب ، وبالتالي في إنقاذ الموقف الذى تعرض له ، والمتمثل في افتقاره إلي السيجارة التي اعتاد أن "يشق ريقه" عليها ، عاد أدراجه بخفي حنين ، وهو يشعر بقدر كبير من الإحباط وخيبة الأمل ، وحكي لنا القصة وهو ـ ونحن معه ـ لا نصدق أن مثل هذا المقلب يمكن أن يحدث في مثل هذه البلاد!